محمد الحفناوي
183
تعريف الخلف برجال السلف
وإذا سمع بوليمة أحد من أبناء الدنيا تخلّف يومه على الحضور خيفة أن يدعى فلا يظهر بالكلية حتى تمر أيام الوليمة ، وربما تخلف قبله أياما ، ولا يقبل عطية السلطان ومن لاذ به ، وربما تأتي لداره وهو غائب فإذا وجدها أنكر على أهل داره ، وتغير كثيرا ، ويقبل عطية غيرهم ويدعو لهم . وكان رفيع الهمّة عن أهل الدنيا ، يتطارحون عليه فيعرض عنهم ، وأتى إليه ابن الخليفة يوما ومعه عين ، فقبل يديه ورجليه ، وطلب منه قبوله فتبسّم في وجهه ، ودعا له وأبى ، فلما أيس منه ، قال له : تصدّق بها يا سيدي على من شئت من الفقراء ، فامتنع منها مع ما جبل عليه من الحياء ، حتى لا يقدر أن يخالف الناس في أغراضهم أو يقابلهم بسوء ، وكان يكره الكتب للأمراء ، فإذا طولب بذلك كتب لهم حياء ، وعاتبه أخوه علي التالوتي قائلا يوما : لأي شيء تكثر الكتب للسلطان وغيره ، فقال : كلّفت به ، فقال : لا توافق عليه ، وقل لا أكتب ، فقال : واللّه يا أخي يغلب علي الحياء ، ولا أقدر على المنع ، قال : لا تستح من أحد ، فقال له : إذا دخل النار أحد بالحياء فأنا أدخلها . وبالجملة فرفع همته عن الخلق معلوم عند الكافة ، لا يأنس بأحد ، ولا يتسبب في معرفته ، ويود أن لا يراه أحد ، وقال لي يوما : واللّه يا ولدي أتمنّى أن لا أرى أحدا ولا يراني أحد ، بل اشتغل وحدي ، وما يأتيني من قبل الناس إن قصدوا به نفعي سلمت لهم فيه ، لا حاجة لي بأحد ولا بماله ا ه . وكان مع ذلك حليما كثير الصبر ، ربما يسمع ما يكره فيتصامم عنه ، ولا يؤثر فيه بل يتبسم ، وهذا شأنه في كل ما يغضبه ، ولا يلقي له بالا بوجه ، ولا يحقد على أحد ، ولا يعبس في وجهه ، يفاتح من تكلم في عرضه بكلام طيب وإعظام حتى يعتقد أنه صديقه ، وقع له ممن يدعي أنه أعلم أهل الأرض لينقصه فما بالى به ، ولما ألف بعض عقائده أنكر عليه كثير من علماء أهل وقته ، وتكلموا بما لا يليق ، فتغيّر لذلك كثيرا وحزن أياما ، ثم رأى في منامه عمر